ابراهيم بن عمر البقاعي
485
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان التقدير : فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان ، وحزب الشيطان هم الخاسرون ، عطف عليه : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع العز وَرَسُولَهُ الذي خلقه القرآن وَالَّذِينَ آمَنُوا وأعاد ذكر من خص الولاية بهم تبركا بأسمائهم وتصريحا بالمقصود ، فإنهم الغالبون - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته فقال : فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ أي القوم الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد عليهم فيه هُمُ الْغالِبُونَ * أي لا غيرهم ، بل غيرهم مغلوبون ، ثم إلى النار محشورون ، لأنهم حزب الشيطان . ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه ، أنتج ذلك قطعا قوله منبها على علل أخرى موجها للبراءة منهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان ، ونبه بصيغة الافتعال على أن من يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعا لهواه فقال : لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا أي بغاية الجد والاجتهاد منهم دِينَكُمْ أي الذي شرفكم اللّه به هُزُواً وَلَعِباً ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله : مِنَ الَّذِينَ . ولما كان المقصود بهم منح العلم ، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي ، بني للمجهول قوله : أُوتُوا الْكِتابَ ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما عليه الإنسان من طاعة أو عصيان ، وكان الإيتاء المذكور لم يستغرق زمان القبل قال : مِنْ قَبْلِكُمْ يعني أنهم فعلوا الهزو عنادا بعد تحققهم صحة الدين . ولما خص عم فقال : وَالْكُفَّارَ أي من عبدة الأوثان الذين لا علم لهم نقل عن الأنبياء ، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين ، وكذا غيرهم ، سواء علم أنهم يستهزؤون أولا ، كما أرشدت إليه غير قراءة البصريين والكسائي بالنصب أَوْلِياءَ أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم ، فلا تصح لكم موالاتهم أصلا . ولما كان المستحق لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته ، حذرهم وقوعهم بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ من له الإحاطة الكاملة ، فإن من والى غيره عاداه ، ومن عاداه هلك هلاكا لا يضار معه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة وطبعا ، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان . ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين ، خص روحه وخالصته وسره فقال : وَإِذا نادَيْتُمْ أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع ، فأجابه